فصل: تفسير الآيات (1- 9):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة سبأ:

نزولها: مكية عدد آياتها: أربع وخمسون آية.
عدد كلماتها: ثمانمائة وثمانون كلمة.
عدد حروفها: أربعة آلاف وخمسمائة واثنا عشر حرفا.
مناسبة السورة لما قبلها ختمت سورة الأحزاب السابقة بهذه الآية الكريمة: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا}.
ثم كانت الآية التي بعدها تعقيبا عليها.. فكأنّها وما بعدها آية واحدة.
وفي هذه الآية أو الآيتين، بيان لمقام الإنسان في هذا الوجود، وأنه الكائن الذي استقلّ وحده بحمل أمانة التكليف من بين الكائنات جميعها.. وإنه لن يمسك به في مقامه هذا إلا الإيمان باللّه، إيمان وعى، وإدراك، وفهم، لجلال اللّه وعظمته، وقدرته، وماله من تصريف في ملكه، لا معقب له، ولا شريك معه.
وتبدأ سورة سبأ بقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ} تبدأ بهذا الاستفتاح بحمد اللّه الذي له ما في السموات وما في الأرض.
وكأنها بهذا الاستفتاح تضع بين يدى الإنسان المفتاح الذي يحفظ به ما استودع من أمانات اللّه.. وهو حمد اللّه الذي له ما في السموات وما في الأرض.
فحمد اللّه، هو ثمرة الإيمان باللّه، والمعرفة بجلاله، وعظمته، وما له في ذات الإنسان، من آيات الإحسان، وسوابغ النعم.. فمن آمن باللّه حق الإيمان، كان لسان ذكر وحمد وشكر، للّه ربّ العالمين، وذلك فيما يرى على ضوء هذا الإيمان من فضل اللّه، وإحسانه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 9):

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)}.
التفسير:
قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الحمد للّه من اللّه سبحانه، هو حمد لذاته من ذاته.. فهو سبحانه المستحق للحمد، وإن لم ينطق بذلك لسان.. فالوجود كلّه مسبح بحمده سبحانه، إذ كان الوجود- في ذاته- نعمة، على أية صورة كان عليها الوجود، وعلى أي وضع قام عليه.. فهو خروج من عدم.. والعدم سلب، والوجود وجوب.
الوجود شيء، والعدم لا شيء.. والوجود صفة من صفات اللّه، به تتحقق ذاتية الذات، وتتحدد ماهيته.. ومن هنا كان.. الحمد للّه، تسبيح كل موجود وصلاة كل مخلوق: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [44: الإسراء] وفي قوله تعالى: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ} إشارة إلى ما استوجب اللّه سبحانه وتعالى من حمد فوق حمد الوجود، وهو حمد البعث، بعد الموت، الذي هو أشبه بوجود جديد للإنسان، وإمساك به من الذهاب إلى العدم الذي كان وشيكا أن ينتهى إليه بعد الموت.
وفي قوله تعالى: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} إشارتان.. إشارة إلى أن اللّه سبحانه وتعالى، الذي ملك هذا الوجود بسلطانه المطلق، لم يكن في هذا السلطان المطلق جور، أو استبداد، لأنه سلطان في يد الحكيم الذي أحسن كل شيء خلقه، وأقامه في المقام المناسب له.. والإشارة الأخرى إلى سوء ظن الكافرين والمشركين، وأهل الضلال، باللّه سبحانه وتعالى، وقصور إدراكهم لما للّه سبحانه وتعالى من علم، وأنهم لو علموا بعض ماللّه من قدرة، وعلم، وسلطان، لخافوا بأسه، ولما جرءوا على عصيانه، إذ لا يجرؤ على مخالفة أمر ذى الأمر، والخروج على سلطان ذى السلطان، إلا من وقع في تصوره أن عين صاحب الأمر لا تراه، أو أن سلطان ذى السلطان لا يقدر عليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ} [22- 23: فصلت] قوله تعالى: {يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ}.
هذه الآية، هي شرح وبيان لصفة {الخبير} التي وصف الحق بها ذاته، في قوله تعالى: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}.
فالخبير، هو العالم علما كاشفا لكل شيء.. وعلم اللّه هو العلم الكامل كمالا مطلقا، حيث تنكشف به حقائق الأشياء كلها، إذ كان كل شيء هو صنعة اللّه، من مبدأ وجود المخلوق إلى كل ما يطرأ عليه من تبدل وتحول في كل لحظة من لحظات الزمن.. ولهذا وصف علم اللّه بالخبرة، إذ كان علما عاملا، بحيث لا يقع شيء في الوجود إلا عن علم، وعن تقدير بمقتضى هذا العلم.. فكان علمه سبحانه على هذا التمام والكمال: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [14: الملك]- وفي قوله تعالى: {يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها}.
إشارة إلى بعض علم اللّه، فيما بين أيدى الناس، وهو هذا العالم الأرضى الذي يعيشون فيه.. فهذه الأرض، يعلم اللّه سبحانه ما يلج فيها، أي ما ينفذ إلى باطنها، ويتسرب إلى أعماقها.. فالولوج معناه دخول الشيء في الشيء، ومنه قوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ} فهو سبحانه يعلم كل حبّة في باطن الأرض، ويعلم مستقرها ومستودعها، ويعلم سبحانه ما يجرى في باطن الأرض من ماء.
كذلك- ومن باب أولى في حسابنا- يعلم سبحانه ما يخرج من الأرض من نبات، وما يتفجر من عيون.
وفي قوله تعالى: {وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها} إشارة أخرى إلى علم اللّه سبحانه بما فوق هذا العالم الأرضى، وهو السماء.. فهو سبحانه يعلم ما ينزل من السماء من ماء، وملائكة، وهو يعلم ما يعرج في السماء، أي ما يصعد إليها من عالم الروح الذي نزل إليها.
وفي قوله تعالى: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} إشارة إلى أن ما يلج في الأرض وما يخرج منها، هو هذه الرحمة التي تنزل ماء من السماء، فتلج في الأرض، فتخرج منها حبّا ونباتا وجنات ألفافا.. وفي هذا حياة كل حىّ، طعاما وشرابا.. ثم إشارة أخرى إلى ما ينزل من السماء من آيات اللّه وكلماته، يحملها أمين الوحى إلى المصطفين من عباد اللّه لرسالته، فيكون فيها حياة الأرواح، وتزكية النفوس.. ثم إشارة ثالثة إلى ما يعرج في السماء، ويصعد إليها من أعمال النّاس.. وقليل منها طيب، وكثير هو الخبيث.. ومع هذا، فإن اللّه سبحانه لا يمسك رحمته عن النّاس، ولا يعجل لهم الجزاء، بل يوسع لهم من مغفرته ورحمته، فيغفر للمذنبين التائبين، ويرحم العصاة الفارّين بذنوبهم إلى اللّه: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ}.
قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ}.
العطف هنا في قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} هو عطف على مضمون الآيتين السابقتين... فهذا المضمون هو قول الوجود كلّه، وهو قول المؤمنين من النّاس.. وكأن المعنى هو:
قال الوجود كله وقال المؤمنون من عباد اللّه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ...} الآية وما بعدها.
هذا ما قاله الوجود، والمؤمنون.. وقد اقتضى هذا الإقرار من المؤمنين أن يؤمنوا بالآخرة وأن يعملوا لها.. أما غير المؤمنين، فلم يقولوا هذا القول، ولم يؤمنوا باللّه ولا باليوم الآخر.
والصورة إذن هى: قال الذين آمنوا آمنا باليوم الآخر، وبأن الساعة آتية لا ريب فيها، {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ}.
وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- أن يردّ عليهم هذا الزعم الباطل، وأن يكذّب هذا الادعاء الفاسد، فقال تعالى: {قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}.
{وبلى} جواب لإثبات المستفهم عنه بالنفي، وإيجابه.
ففى قولهم: {لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ} نفى في طيه استفهام إنكارى، وكأنهم يقولون: {ألا تأتينا الساعة} مبالغة منهم في إنكارها، وفي تحدّى من يؤمن بها.
وقد جاء الردّ عليهم مثبتا لما نفوه، موكدّا له، قاطعا به: بهذا القسم باسم الربّ العظيم {وربّى} وبهذا التوكيد للفعل باللام والنون {لتأتينّكم}.
وفى القسم بالربّ، (بلى وربى) إشارة إلى ربوبية اللّه سبحانه، لهؤلاء الذين ينكرونه، وينكرون ما تقضى به الربوبية من الولاء اللّه، والتصديق برسله.
فهو إنكار غليظ، في مواجهة الربوبية التي لا تنقطع فواضل إحسانها وإنعامها لحظة واحدة عن أي موجود، ولو انقطع ذلك لما كان لموجود وجود!- وقوله تعالى: {عالِمِ الْغَيْبِ}.
صفة للرب- سبحانه وتعالى- الذي يعلم الغيب في السموات والأرض، ويعلم ما عليه هؤلاء الكافرون من محادّة اللّه.
فهو سبحانه- وقد علم منهم هذا الضلال- لن يدعهم يذهبون من غير حساب ولا جزاء، بل سيبعثهم سبحانه، ويردهم إليه، ويجزيهم بما كانوا يعملون.
وقوله تعالى: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ} أي لا يغيب عن علمه- سبحانه- وزن ذرة، كائنة في السموات أو في الأرض، ولا أصغر من الذرة- وهى ما هي في الصغر- ولا أكبر... فكل ذلك عنده سبحانه وتعالى في كتاب مبين، قد استودع مكنونات علمه.
وفى قوله تعالى: {إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ} إشارة إلى حصر الموجودات كلها صغيرها وكبيرها {فِي كِتابٍ مُبِينٍ} أي مفصل فيه كل شيء تفصيلا واضحا محددا.. فما وقع في ظن الكافرين باللّه أن شيئا من هذا غائب عن علم اللّه إلا كان هذا في كتاب مبين.
قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ}.
اللام في قوله تعالى {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} هي لام العاقبة، أي أن عاقبة هذا العلم من اللّه سبحانه وتعالى لما يعمل الناس من خير أو شر، هو الحساب والجزاء، فيجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جزاء حسنا.
ويجزى الذي أساءوا السّوءى وعذاب الجحيم.
وقد أطلق الجزاء الذي يجزى به اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلم يقيد بأنه جزاء حسن للدلالة على أنه أمر واضح لا يحتاج إلى بيان.. إذ ليس للإحسان جزاء إلا الإحسان كما يقول سبحانه: {هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ} [60: الرحمن] وفى الإشارة إلى المؤمنين بقوله تعالى: {أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} رفع لقدرهم، وتنويه بمنزلتهم العالية في مقام التكريم والإحسان.. وفى الضرب عن صفة الجزاء للذين سعوا في آيات اللّه معاجزين، إشارة إلى التعجيل بالجزاء السيّء لهم، ومواجهتهم به بمجرد أن يعرضوا على الحساب.. إنه عذاب من رجز أليم.
وفى الإشارة إليهم بقوله تعالى: {أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} فضح لهم وكشف عن موقفهم الذليل في مقام الخزي والهوان.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ} إشارة إلى أنهم كانوا يخوضون في آيات اللّه خوضا، بغير حساب، استخفافا بها، وسخرية منها.. وهذا بعض السر في تعدية الفعل {سعى} بحرف الجر {فى} الذي يفيد الظرفية.
وقوله تعالى: {مُعاجِزِينَ} حال لبيان الغاية من هذا السعى الآثم في آيات اللّه، وأنه لم يكن سعيا للإفادة منها، والاهتداء بهديها، وإنما هو سعى لحجبها عن الناس، ولتعجيزها، وإعجاز الناس عن الوصول إليها.
قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.
المفسرون يكادون يجمعون على أن هذه الآية مدنية، من بين آيات السورة المكية كلها.. ولا نجد لهم مستندا لهذا القول إلا ما تشير إليه الآية من الحديث عن الذين أوتوا العلم.. وإذا كان الذين أوتوا العلم هنا هم أهل الكتاب- وخاصة علماء اليهود- وإذا كانت السورة مكية، والقرآن المكي لم يخاطب أهل الكتاب بعد، فيكون من مقتضى هذا، أن الآية من القرآن المدني الذي نزل في مواجهة أهل الكتاب بعد الهجرة!!.. هكذا كان تقدير القائلين بأن هذه الآية مدنية.
ولا معوّل- عندنا- على هذا الاستنتاج الذي لا يسنده خبر صحيح.. وعلى هذا، فالآية مكية مثل آيات السورة كلها.
وأما الإشارة إلى الذين أوتوا العلم، وليكن المراد بهم أهل الكتاب، فإن هذا لا يمنع من أن يتحدث القرآن عن أهل الكتاب، وأن يستدعيهم الشهادة على ما يعلمون من آيات اللّه، وأنها الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك قبل أن تلتقى بهم الدعوة، وتلقاهم لقاء مباشرا.
وسواء أشهد أهل الكتاب أم لم يشهدوا، وسواء أكانت شهادتهم حقا أو باطلا، فإن هذه الإشارة إليهم، هي مطالبة لهم بأن يقولوا ما عندهم من علم عن هذا الرسول، وعن الكتاب الذي بين يديه، وأن ينطقوا بألسنتهم ما كتموه في صدورهم... فإن لم يفعلوا فقد أثموا، وأدينوا، لأنهم خالفوا ما أمرهم اللّه به، ونقضوا الميثاق الذي أخذه عليهم، كما يقول سبحانه {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [187: آل عمران] ثم إن في هذا إرهاصا بما سيكون لهذه الدعوة من شأن مع أهل الكتاب، وأنهم سيدعون إليها، ويطالبون بالايمان بها، وذلك حين يجيء دورهم.
والمراد بالرؤية هنا، العلم.
وقوله تعالى: {الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} {الذي} مفعول أول للفعل يرى، بمعنى يعلم، ومفعوله الثاني هوقوله تعالى: (الْحَقَّ).. والضمير {هو} ضمير فصل يشير إلى القرآن الكريم. ويلفت إليه، وينوه به.. وفى تعريف {الحق} ما يفيد القصر، وذلك بتعريف ركنى الجملة إذ أن أصل الكلام هو: {الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}.
أي الذي لا حقّ وراءه.. فهو وحده الحق، وما سواه خارج عليه، فهو الباطل.
وقوله تعالى: {وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.
معطوف على المفعول الثاني {الحقّ}.
فهو جملة في محل نصب.. أي ويعلم الذين أوتوا العلم أن الذي أنزل إليك من ربّك يهدى إلى صراط العزيز الحميد.
قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} الآية معطوفة على قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}.
أي أن الذين أوتوا العلم رأوا، ما أنزل إلى النبيّ من آيات ربه، فعلموا أنها الحقّ، وقالوا- بلسان الحال- آمنا به، وبما حدّث به عن البعث والحساب والجزاء.. وكان قول الذين كفروا هو الاستهزاء والسخرية برسول اللّه، والتكذيب لآيات اللّه.. فقالوا ساخرين مستهزئين منكرين:
{هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}.
إنهم يتنادون فيما بينهم، ويدعو بعضهم بعضا إلى هذا العجب الذي يحدّثهم به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، من أمر البعث والحياة الآخرة، وما فيها من جنة ونار.
قوله تعالى: {أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} هذا هو مجمل ما يجيب به بعضهم بعضا، على هذه التساؤلات التي يتساءلونها في أمر هذا الخبر العجيب الذي يحدثهم به النبيّ عن البعث.. إنهم ينتهون إلى أن يضعوا النبيّ بين أمرين، لا ثالث لهما: إما أن يكون رجلا افترى على اللّه الكذب فيما يحدثهم به، ويقول عنه إنه من عند اللّه.. فهذا الحديث- عندهم- لا يكون من اللّه، لأن اللّه لا يعقل منه أن يقول مثل هذا القول غير المعقول.. وإما أن يكون هذا الرجل مجنونا، يلقى الكلام كما يصوّره له جنونه.. وإذن فعلى كلا الأمرين، لا يسمع له، ولا يلتفت إليه.
وفى قولهم على {رجل} إمعان منهم في الاستصغار لشأن النبي، وأنه أقلّ من أن يذكر باسمه أو صفته.. ولهذا ردّ اللّه سبحانه عليهم بقوله: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ}.
فأضرب اللّه على كلامهم وأبطله، ثم ألقى بهم في العذاب، وألبسهم لباس العمى والضلال.
وقدّم العذاب على الضلال، مع أن العذاب الذي سينالهم هو من ثمرة ضلالهم- قدم هذا، استعجالا لما يسوءهم، واستحضارا للبلاء الذي ظنوا أنهم في مأمن منه.
قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ}.
هو تهديد لهؤلاء المشركين، الذين كانوا يسخرون من رسول اللّه.
ويكذبون بآيات اللّه، ولا يرجون لقاء اللّه.. فهؤلاء وقد توعدهم اللّه بالعذاب الأليم في الآخرة، إن كانوا قد شكوا في هذا الوعيد، أو استبعدوا يومه، فلينظروا فيما حولهم، وفيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض.. من يمسك السماء أن تسقط عليهم؟ ومن يحفظ الأرض أن نخسف بهم؟ أليس هو اللّه سبحانه وتعالى؟ ذلك ما لا سبيل إلى إنكاره.. وإذا كان ذلك كذلك وقد عصوا اللّه، وحادوا رسوله- أفلا يمكن أن يعاجلهم اللّه بالعقاب في الدنيا؟
أهناك من يعصمهم من بأس اللّه إذا جاءهم؟ أهناك من يردّ مشيئة اللّه لو شاء سبحانه أن يخسف بهم الأرض، أو يسقط عليهم حجارة من السماء؟
وفى قوله تعالى {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} إشارة إلى أن هذا الذي تحدث به الآية عن قدرة اللّه وعن بأسه الذي لا يرد، لا يلتفت إليه ولا ينتفع به إلا من كان ذا عقل متفتح، وبصيرة نافذة، وقلب سليم، إذا رأى الحق عرفه، وإذا عرفه آمن به، وعمل على هداه، فإن كان كافرا آمن باللّه، وإن كان عاصيا تاب إلى اللّه ورجع إليه من قريب، أما من أنام عقله، وأغلق قلبه، فإنه يظل مجمدا على حال واحدة، لا يتحول عنها، ولا يرجع عن الطريق الذي ركبه، وإن كان فيه مهلكه.